المدونة

الأربعاء, 01 آب/أغسطس 2018 09:16

ماذا لو ذهب كل طفل إلى المدرسة مميز

الدروس العالمية

حياتهم ستكون أفضل، حتى ولو لم يتعلموا الكثير

20180707 WFP023 0

على ما يبدو أن الأطفال يختفون عندما تسير من غرفة صفية إلى أخرى في مدرسة تيبا كارا في ضواحي مدينة لاهور ثاني أكبر مدن باكستان.  يسود الصخب في الغرفة الصفية الأولى حيث تزدحم بأطفال بسن الخامسة والسادسة في سنتهم الدراسية الأولى.  ولكن عندما تنتقل إلى الغرفة القليلة التالية ذات فصول أعلى تدريجيا،  فإن عدد التلاميذ ومستوى الصوت ينقصان بشكل مطرد. في الوقت الذي نصل الى فصول فئة عشرة واحد عشرة عاما تجد عددا قليلا من التلاميذ المتبقين يدرسون بصمت.

ان نمط الالتحاق بالمدارس هذا والذي ينقص طرديا مع العمر ليس جديدا على باكستان. ان نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدرسة الابتدائية انخفضت عالميا من 28% في عام 1970 الى 9% في عام 2016.  ولكن التقدم متباطئ واقل إبهارا مما يبدو عليه. نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدارس انخفضت بمعدل اقل من 1% منذ عام 2007. ما يقارب 63 مليون طفل في أعمار متقاربة لم يلتحقوا بالمدرسة الابتدائية و 200 مليون طفل آخر لم يلتحقوا بالمدرسة الثانوية. وبالرغم ان نسبة الأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة في البلدان الغنية والفقيرة متشابهة تقريبا الا ان معظم الاطفال في البلدان الفقيرة لا يكملون تعليمهم.  يلتحق 96% من الأطفال في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) -ومعظمها من الدول الغنية- بالمدارس الثانوية خلال سن السادسة عشرة، بينما تبلغ النسبة 35% فقط في الدول الفقيرة.

وتوجد أعلى معدلات انقطاع عن الدراسة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (إفريقيا السوداء) وشمال إفريقيا والشرط الأوسط. والأمر أكثر سوءا بالنسبة للفتيات من الأسر الريفية الفقيرة. حيث ان نسبة الفتيات اللواتي يُتَوقع ان يكملن الدراسة الثانوية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى اقل من طالبة واحدة من عشرين .  تبقى الفتيات في جميع أنحاء العالم عُرضة اكثر بمرتين أن لا يلتحقن بالمدارس أبدا من الأساس.

من حيث المبدأ فإن العالم ملزم بالتأكد من إلتحاق كل طفل بالمدرسة لغاية سن السادسة عشرة. في عام 2015 تعهد أعضاء الأمم المتحدة انه بحلول عام 2030 « جميع الفتيات والفتيان سوف يكملون تعليما أساسيا وثانويا مجانيا بالكامل ومنصف وذو جودة.»  أوصت لجنة من المشاهير والخيرين (بالإضافة إلى شاكيرا نجمة البوب)في عام 2016 بزيادة الانفاق السنوي على التعليم في الدول النامية من 1.2 تريليون دولار في 2016 إلى 3 تريليون دولار بحلول 2030؛ وذلك لضمان ان يكمل كل طفل المدرسة.  ماذا لو حدث ذلك؟

بطبيعة الحال يظن التربويون ان ذلك سوف يؤدي إلى ملايين أخرى من الأطفال المحشوة أدمغتهم بالمعرفة. ولكن الدلائل من المدارس في البلدان الفقيرة تشير إلى غير ذلك. يتعلم العديد من الأطفال القليل مما هو مفيد في فصولهم. إذا أردت ان تجد طفل غير متعلم في العالم اليوم، «يمكنك ان تجده في المدرسة» كما يصرح لانت بريتشت، الخبير الاقتصادي في جامعة هار فرد. 

إن حجم الإخفاق هائل. وذلك وفقا لدراسة استقصائية لثلاث بلدان إفريقية (كينيا، تنزانيا و أوغندا)والمنشورة في عام 2014، حيث ان ثلاث ارباع التلاميذ في المرحلة الثالثة من المدرسة الابتدائية لا يستطيعون قراءة جملة مثل:   «اسم الكلب بَبّي» النسبة ذاتها تقريبا تعذر عليهم طرح 17 من 46 أو القيام بعمليات حسابية مشابهة لأرقام مكونة من خانتين في مناطق ريفية في الهند. وفي بحث له يشير مركز التنمية العالمية (CGD)،أحدى مراكز الفكر (think-tank)، في نصف الدول النامية - التي تمتلك بيانات- اقل من 50% من النساء اللواتي يتركن المدرسة بعد سن الحادية عشرة يمكنهن قراءة جملة. وتقدر اليونسكو - وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن التعليم والعلوم- ان ستة من كل 10 أطفال حول العالم (مجموعهم اكثر من 600 مليون) لا يستوفون معيار الحد الأدنى لإتقان الكتابة والرياضيات. الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال موجودين في المدرسة.

وفي حالة ان الاطفال لم يلتحقوا بالمدارس، فمن المرجح انهم لن يتعلموا الكثير كذلك.  لفهم السبب، علينا ان نأخذ في عين الاعتبار ما يحدث وما لا يحدث في الفصول الدراسية. ووفقا لبيانات من البنك الدولي، ان معدلات تغيب المدرسيّن في الدول النامية تتراوح بين 11% إلى 30%. (اما في أوغندا فإن النسبة 60%) أما بالنسبة للمدرسين الذين يحضرون فإنهم غالبا لا يستطيعون التدريس. في جنوب إفريقيا -على سبيل المثال- ما يقارب 80% من مدرسي الرياضيات يمتلكون معرفة بالمواضيع المقررة بالقدر الذي يتوقع ان يملكه طالب في الصف السادس.  أما أولئك الذين يدرسون فكثيرا ما يقتصر انتباههم على التلاميذ الأذكياء ويحرصون  ان يتخلف المتقاعسون أكثر وأكثر.  وكشفت دراسة نشرت في عام 2016 أن معرفة تلاميذ في الصف السادس في منطقة فقيرة من دلهي اقل بمرحلتين دراسيتين ونصف عما هو متوقع في منهج الرياضيات. وتتسع تلك الفجوة لتصل اربع مراحل دراسية ونصف لدى تلاميذ الصف التاسع.

إن الفقر يجعل من تعليم الأطفال أمرا في غاية الصعوبة،  فالأطفال المتعبون والجائعون يناضلون لأجل التركيز. والمدرسين الذين لا يملكون دفاتر أو المعدات أو الكهرباء ليس بمقدورهم التركيز على تعليم اللغة والحساب. لكن المشاكل في الغرفة الصفية سياسية بالأساس وليست مالية. وكثيراً ما يُعيّن المعلمون على أساس المحسوبية وليس على أساس الجدارة. وتقوم نقابات المعلمين المتنفذة بحماية المدرسين المثيرين للشفقة في الوقت الذي يتوجب عليهم إقالتهم.  ويفضل السياسيون قص شرائط الافتتاح خارج المدارس الجديدة على تطوير ما يحدث داخلها.

أن أنفاق المزيد من الأموال على نُظم التعليم الحالية ربما لن يحدث شيئا يذكر لتحسين ما يحدث في الفصول الدراسية. في استعراض لثلاثين تجربة عشوائية محكومة نُشرت في مجلة ساينس وجد كل من ميشيل كريمير وكورنر برانن وريتشل جلينيرستير ان انتهاج سياسة «المزيد من الأشياء ذاتها» تؤثر بشكل ضئيل أو لا تؤثر على الإطلاق على جودة التعليم. هذه التدخلات تشمل زيادة عدد المدرسين لتقليل حجم الفصول الدراسية أو شراء المزيد من الكتب المدرسية على سبيل المثال. على النقيض من ذلك فإن التغييرات التي لا تكلف كثيرا ولكنها صعبة التنفيذ ترتبط بتحقيق التلاميذ درجات اعلى مثل تغيير المناهج التربوية او استحداث عقود قصيرة الأجل للمدرسين.

يبدو ذلك كدعوى لليأس. إذا التحق كل طفل بالمدرسة، سوف يكون هناك الملايين أخرى يجلسون في غرف صفية يائسة ومملة. ولكن في الوقت الذي يبدو هذا مروعا،  لا يزال ذلك أمرا جيدا بالنسبة للأطفال وأسرهم والمجتمع ككل. كما يشير جستن سانديفور من مركز التنمية العالمية ان هناك الكثير من الأدلة انه حتى لو لم يتعلم الأطفال الكثير في المدرسة فإن ذهابهم اليها لا يزال أمرا جيدا.

بعض هذه الفوائد اقتصادية. يرتبط الالتحاق بالمدرسة لفترة أطول بكسب اكثر في الحياة لاحقا. جزء من ذلك يعود لكون أولئك الذين يحصلون على تعليم إضافي أكثر احتمالية للحصول على وظائف غير زراعية والانتقال للعيش في المدن.   قد يشير هذا إلى أن الشباب في الواقع يتعلمون شيئا مفيداً في المدرسة الأمر الذي لم ينتقيه الباحثون. ولكن من الممكن أن يكون له تأثير مباشر: فصاحب متجر قد يفضل العمال الذين بقوا في المدرسة لمدة خمس سنوات على الأقل.

الذهاب إلى المدرسة - حتى السيئة منها- يستجلب فوائد متصلة بالصحة والخصوبة ايضا. فالبنات الذين يلتحقون بالمدرسة من المحتمل أن يأخروا الزواج وإنجاب الأطفال حتى في البلدان التي يكون فيها التعليم مريعا. في نيجيريا حيث 8% فقط من الفتيات اللواتي يتركن المدرسة بعد سن الحادية عشرة يستطعن قراءة جملة، كشفت دراسة ان سنة إضافية في المدرسة ترتبط بولادات اقل للنساء بنسبة 0.26. وكُشف  عن نتائج مماثلة في إندونيسيا وإثيوبيا وأوغندا وكينيا من مقارنة بدول أخرى. الأطفال الذين يولدون لهؤلاء النساء أقل عرضة لسوء التغذية والموت المبكرايضا.

وهناك عدة أسباب محتملة لذلك. واحدها أنه ببساطة إذا كانت الفتيات في المدرسة فلن يتمكنوا من ممارسة الجنس في المنزل. هناك احتمال آخر أن التعليم يرفع تكلفة فرصة حدوث حمل، وذلك بمنح الفتيات أشياء أكثر لخسارتها. في العديد من الدول الحمل أحد أسباب الطرد من المدرسة مما يعني ان الفتيات لم يعد بإمكانهن التعلم او على الأقل الاستفادة من ميزة سوق العمل  من خلال الحصول على سنوات تعليم إضافية. الالتحاق بالمدرسة يمكن أيضا ان يعزز صورة الذاتية للفتيات. ببساطة فإن ارتداء الزي المدرسي من شأنه تعزيز ثقة الفتيات بأنفسهن وشعورهم بانهن ليسوا بالغين بعد.  وهذا بدوره يمكن ان يمنح الفتيات الثقة لتأجيل الجنس والزواج. وحتى ولو لم تتعلم الفتيات الكثير من المدرسين فإنها قد تعلم أشياء مفيدة من أقرانها حول وسائل منع الحمل وتربية الأطفال- على سبيل المثال.

سوف يرسل الآباء بأبنائهم الى المدرسة اذا شعروا ان ذلك سوف يمنحهم فرص افضل في الحياة.  بالمقابل سوف يبقون عليهم في المنزل اذا اعتقدوا ان أبنائهم سوف يجنون مالا اكثر من خلال العمل في الحقول او في الأسواق او اذا قلقوا حيال سلامة أطفالهم في الفصول الدراسية. فالجهود المبذولة لاصلاح المدارس وتطوير التعليم سوف ينتج عنها ازدياد عدد الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس وينهون تعليمهم. ان الدلائل من الأبحاث واضحة -حتى بدون تلك الإصلاحات-: لو ان كل التحق كل طفل بالمدرسة- بعض النظر عن مدى فظاعتها- سوف يعود ذلك عليهم بالنفع.    وتبين انه المدارس السيئة افضل من لا شيء على الإطلاق. 

قراءة 926 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 14 آب/أغسطس 2018 18:50
منتدى أسبار الدولي. جميع الحقوق محفوظة ©2019.