المدونة

الأحد, 05 آب/أغسطس 2018 12:35

مفاعل القرن من شركة تيرا باور. مميز

5.jpeg

استخدم المهندسون في إحدى الشركات الناشئة التي صممت مفاعل نووي متطور للطاقة وتدعى "تيرا باور TerraPower"  لعبة تنس الطاولة للتوضيح للزوّار أحد المبادئ الأساسية في الانشطار النووي؛ فقامو باستخدام مدفع ضغط هوائي لضرب كرة الطاولة بسرعة توازي ضعغي سرعة الصوت باتجاه الطاولة؛ ولأن تنس الطاولة ليست مصممة لتُلعب بسرعة 2 ماخ، ما كان للكرة إلا أن تصنع فجوة خلال المضرب. والمبدأ المراد شرحه هو أن تحرك الأشياء الصغيرة بسرعات عالية يكون لها أثر قوي جدًا عند اصطدامها بشيء ثابت.

وقد يكون هناك نقطة أكبر أرادوا التلميح بها، وهي أن الشركات الناشئة الصغيرة التي تتقدم بسرعة سيكون لها تأثير كبير على صناعة الطاقة الكهربائية التي بدت لسنوات طوال أنها ثابتة.

يأمل العديد من الخبراء في عالمنا المعرّف بالتغيير المناخي أن شبكة كهرباء المستقبل ستكون عاملة كُليًّا بالطاقات الشمسية والكهرومائية والرياح؛ ولكن قليل منهم من يتوقع أن شبكة الطاقة النظيفة ستظهر قريبًا بما يكفي لتقليص حجم كبير من غازات الدفيئة خلال العقود القادمة. وبالرغم من أن قطاع توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح ينمو بسرعة أكثر من قطاعات أخرى، إلا أنهما بالكاد وصلا لـ 2% من استهلاك الطاقة الأساسي حول العالم في عام 2015 وفقًا لشبكة سياسات الطاقة المتجددة للقرن الواحد والعشرين.

وبحسب العديد من الخبراء، يجب أن نعتمد على الطاقة الانشطارية للوصول لشبكة المستقبل من الطاقة النظيفة؛ فمن بين جميع مصادر الطاقة الحالية من الكربون، وحدها المفاعلات الانشطارية التي تملك  سجلًا حافلًا من تأمين مستويات عالية من الطاقة بشكل مستمر وكفؤ مهما كان الطقس وأي كان الموقع.

وبالرغم من هذا بالكاد تغيّرت المفاعلات النووية التجارية منذ بدء محطات توليدها بالعمل في منتصف القرن العشرين؛ والآن جزء كبير من مفاعلات الطاقة العاملة حول العالم، والبالغ عددها 447، يُظهر عيوبًا وتقدمًا في العمر؛ وخاصة بعد كارثة فوكوشيما دايتشي في اليابان منذ سبع سنوات، أصبحت الطاقة النووية في وضع لا تحسد عليه. ولقد انخفضت مساهمة الطاقة النووية باستهلاك الطاقة العالمي بين عامي 2005 و 2015 من 5.73% لـ 4.44%. وما زاد الطين بلة هو التخلي عن مشروع مفاعلين ضخمين في كارولاينا الشمالية بالولايات المتحدة والكلفة المتصاعدة لإنهاء مفاعل "Hinkley Point C" في المملكة المتحدة والتي وصلت حاليًا لـ 20.3 مليون يورو أو ما يقارب 27.4 مليون دولار.

ولكن الحماس للطاقة النووية ما زال موجودًا في أماكن أخرى؛ فالصين لديها 38 مفاعل بطاقة إجمالية تبلغ 33 جيجا واط وتخطط لإضافة 58 جيجا واط بحلول عام 2024. وهناك حاليًا 50 مفاعل للطاقة قيد الإنشاء عالميًا، وهذه المفاعلات بالإضافة للخطط الموجودة لبناء 110 مفاعلات سوف تزوّد الشبكة العالمية بقرابة 160 جيجا واط، وستجنّب العالم قرابة 500 مليون طن من الانبعاثات الكربونيّة سنويًا. وإذا أردنا تطبيق هذا التخفيض في الانبعاثات على قطاع النقل، علينا توقيف أكثر من 100 مليون سيارة، أي جميع سيارات الركاب في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

وبناء على هذه المعطيات تقوم عدة شركات ناشئة بالدفع نحو تصاميم جديدة للمفاعلات لمعالجة عيوبها الجوهرية؛ ففي كامبردج، ماساتشوتس، تقوم شركة ناشئة تدعى "ترانس اتوميك باور Transatomic Power" بتطوير مفاعل يعمل على مزيج سائل من فلوريد اليورانيوم وفلوريد الليثيوم. وفي دينڤر تقوم شركة "جين4 إينرجي Gen4 Energy" بتصميم مفاعل بوحدات أصغر يمكن نشرها بسرعة في المواقع البعيدة.

وتمميز شركة "تيرا باور" الكائنة في بالفيو، واشنطن عن باقي الشركات الناشئة بمصادر تمويلها الضخمة، وبصِلَتِها مع الصين الشرهة للطاقة النووية. وجزء من تمويل تطوير المفاعل يدفعه 'بيل جيتس' الذي يشغل منصب مدير الشركة. ولإثبات أن التصميم قابل للتطبيق تستعد "تيرا باور" في العام القادم لوضع حجر الأساس لمفاعل تجريبي بالتعاون مع الشركة الوطنية الصينية للطاقة النووية "China National Nuclear Corp".

وتسابق الصين الوقت لإضافة 250 جيجا واط من الطاقة المتجددة والنووية بحلول عام 2020، بهدف تخفيض اعتمادها على الفحم. ويرى 'كريس ليفيسك' رئيس شركة "تيرا باور" أنه يوجد فرصة هناك لمفاعل نووي أكثر أمانًا وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود؛ كما يقول أن وقود المفاعل لا يمكن استخدامه بسهولة لصناعة الأسلحة، وتزعم الشركة أن مفاعلها سيولد القليل القليل من النفايات النووية؛ بل هناك أكثر من ذلك بحسب الشركة أنه حتى في حال ترك المفاعل دون مراقبة لن يحصل له أي حادث كارثي؛ وبالنسبة لرئيس الشركة ليفيسك إنه المفاعل المثالي لمعالجة مشاكل العالم ويقول ليفيسك: "لا يمكننا تقليل انبعاثات الكربون جديّا وإنقاذ مليار شخص من عوز الطاقة بدون الطاقة النووية.

يأتي مفاعل "تيرا باور" بشكل جديد من تصوّر قديم للفيزيائي الروسي غائب الذكر 'ساڤيلي فينبرج'، فبعد الحرب العالمية الثانية وبينما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي يراكمان الأسلحة النووية، تسائل بعض المفكرين عن إمكانية استخدام الطاقة الذرية في مجالات لا تشمل الأسلحة الحربية. وأثناء انعقاد المؤتمر الثاني للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في جنيف، عام 1958، أشار فينبرج إلى إمكانية إنشاء مفاعل يُنتج وقوده الخاص.

ما تخيّله فينبرج يُعرف اليوم باسم مفاعل (نسّل واحرق breed-and-burn reactor)، وطرحت المقترحات المبكرة فكرة استخدام موجة من الانشطار النووي تتقدم ببطء عبر مصدر الوقود -كسيجار يستغرق عقودًا ليحترق- منتجة ومستهلكة لوقودها بينما يرتحل الارتكاس عبر النواة. ولكن لم يستطع تصميم فينبرج المنافسة في العصر الذهبي للطاقة الذرية؛ فاليورانيوم كان وفيرًا والمفاعلات الأُخرى كانت أقل تكلفة وأسهل للبناء ومشكلة التخلص من النفايات المشعّة لم تكن حينها بالحسبان.

6.jpeg

ظلّ مبدأ (نسّل واحرق) بعيدًا عن الأضواء حتى قاما 'إيدوارد تيلر' -العقل المدبر للقنبلة الهيدروجينية- وعالم الفيزياء الفلكية 'لويل وود' بإحيائه في تسعينيات القرن الماضي. وفي عام 2006 أصبح 'وود' مستشارًا لشركة "إنتيلكتشوال ڤينتورز Intellectual Ventures" وهي شركة استثمارات وملكية فكرية والشركة الأم لـ "تيرا باور". وفي ذلك الحين كانت شركة "إنتيلكتشوال ڤينتورز" تستكشف كل الخيارات المتاحة لتقليص انبعاثات الكربون بما فيها الطاقات المتجددة والانشطارية النووية والانصهارية؛ فاقترح 'وود' نوع فرعي من تصميم مفاعل (نسّل واحرق) ويُدعى "مفاعل الموجة الراحلة TWR "traveling-wave reactor.

ويقول 'جون جيليلاند' المدير التقني في "تيرا باور" عن المفاعل: "توقعت أن أجد خللًا ما فيه خلال عدة أشهر، ومن ثم أعود للتركيز على الطاقات المتجددة، ولكن لم أستطع إيجاد أي خلل فيه." وهذا بالطبع لا يعني أن تصميم 'وود' و 'تيلر' كان مثاليًا؛ فبحسب أقوال 'جيليلاند' أيضًا أن تصميمهما في تسعينيات القرن الماضي كان كيّسًا ولكن لم يكن عمليًا؛ ولكنه سلّم طرف الخيط لمهندسي "تيرا باور" وأعطاهم أملًا بمعالجة كافة عيوب الانشطار الحالية إذا استطاعوا تشغيل المفاعل بذلك التصميم.

ولكن هناك من لا يشارك المعنيين هذا التفاؤل، كرئيس معهد أبحاث الطاقة والبيئة 'أرجون ماخيجاني Arjun Makhijani' الذي يقول: "هنالك مشاكل على عدة مستويات بمفاعل الموجة الراحلة، وربما ستأتي تقنية سحرية جديدة ما لحلها، ولكن نأمل أن لا نضطر للاعتماد على السحر." وبحسب 'ماخيجاني' فإن الحفاظ على على تفاعلات نووية مستقرة صعب بما فيه الكفاية بدون الصعوبة المضافة بإنتاج الوقود داخل النواة؛ ويشير إلى أن التقنيات التي ستستخدمها "تيرا باور" لتبريد النواة قد فشلت إلى حد كبير في الماضي.

وبدأ فريق "تيرا باور" بقيادة 'وود' و 'جيليلاند' أولًا بمالعجة التحديات بواسطة النماذج الحاسوبية، وفي عام 2009 شرعو ببناء "واجهة القولبة المتقدمة للمفاعل" (ARMI) وهي مجموعة من الأدوات الرقمية لمحاكاة مفاعل بتعديلات جوهرية؛ وبواسطتها يستطيع الفريق تحديد الحجم والشكل والمواد المشكِّلة لكل مكونات المفاعل، والقيام بعد ذلك بإجراء اختبارات شاملة. وبالنهاية استطاعوا الوصول لما يعتقدون بأنه نموذج عملي لتصميم فينبرج لتقنية (نسّل واحرق) مفاعل الموجة الراحلة، الذي طرحه قبل ستة عقود.

ويسترجع ليفيسك ذكريات انضمامه لشركة "تيرا باور" عندما أتوا إليه وقالو: "مرحبا، نعتقد أننا بإمكاننا الآن إنجاز مفاعل الموجة الراحلة."

ولكي نفهم ما الذي أعاق الفيزيائين عن مفاعل الموجة الراحلة، علينا أن نعلم أولًا أن المفاعلات الحالية تعتمد على اليورانيوم المخصب الذي تكون به نظائر اليورانيوم-235 الانشطارية نسبة لنظائر اليورانيوم-238 المستقرة أعلى من اليورانيوم الطبيعي.

فعندنا يضرب نيوترون عابر ذرة يورانيوم-235 -كما في مثال تنس الطاولة- يكون ذلك كافيًا لقسم الذرة إلى نظائر باريوم وكريبتون مع ترك ثلاثة نيوترونات.

وتحدث الحالة الحَرجية عندما يصدم عدد كافٍ من النيوترونات عددًا كافيًا من ذرات نظائر اليورانيوم ليحدثوا تفاعلًا نوويًا مُستدامًا. والطريقة الوحيدة للوصول للحالة الحَرجية في المفاعلات المستخدمة حاليًا هي وجود عدد وافر من ذرات اليورانيوم-235 في الوقود.

وفي المقابل مفاعل الموجة الراحلة سيكون قادرًا على استخدام اليورانيوم المنضب الذي لديه نسبة أقل بكثير من ذرات اليورانيوم-235 ولا يمكنه أن يصل للحالة الحَرجية بدون مساعدة.

الحل عند "تيرا باور" هو بصف 169 قضيب وقود من اليورانيوم الصلب على شكل سداسي. وعندما يبدأ التفاعل ستقوم ذرات اليورانيوم-238 بامتصاص النيوترونات الفائضة ليصبح يورانيوم-239 الذي يضمحل خلال دقائق ليصبح نبتونيوم-239 والذي بدوره يضمحل ليصبح بلوتونيوم-239. وعندما يضرب النيوترون البلوتونيوم-239 يطلق الأخير نيوترونان أو ثلاثة أي ما يكفي للحفاظ على تفاعل تسلسلي؛ كما يطلق البلوتونيوم في تلك الحالة حجم كبير من الطاقة؛ لذا يُعد البلوتونيوم-239 النظير الأساسي في الأسلحة النووية الحديثة.

وبحسب ليفيسك إنتاج البلوتونيوم-239 لا يساهم بخطر الإنتشار النووي بل العكس، فالبلوتونيوم-239 لن يتراكم في مفاعل الموجة الراحلة، بل ستفصله على الفور النيوترونات الشاردة لسلسلة من النواتج الانشطارية

وبمعنى آخر إن المفاعل يُنتج وقود البلوتونيوم عالي الانشطارية الذي يحتاجه فقط قبيل حرقه؛ كما تخيّل فينبرج قبل عقود طويلة. ومع هذا فإن ما يرمز إليه مصطلح "الموجة الراحلة" شيء مختلف قليلًا عن مفاعل الحرق البطيء (كمثال السيجار). ففي مفاعل الموجة الراحلة نظام رافعة علوية يحافظ على التفاعل داخل الجزء المطوق من النواة عبر إدخال وإخراج القضبان فيها من مناطق النواة الأخرى. (كلعبة آركيد مخلب دقيقة جدًا)

يستخدم مفاعل الموجة الراحلة لتوليد الكهرباء نظامًا معقدًا أكثر من نُظم المفاعلات الحالية؛ ففي المفاعلات الحالية يتم استغلال حرارة النواة الهائلة لغلي الماء واستخدام البخار بتدوير التوربين لتوليد الكهرباء. أمّا في مفاعل الموجة الراحلة يمتص الحرارة سيل حلقي من الصوديوم السائل ويغادر نواة المفاعل ومن ثم يغلي الماء لتدوير توربين البخار.

 MzA2NDA0OQ

ولكن بحسب 'ماخيجاني' هنا تكمن المشكلة الكبرى؛ فبالرغم أن الصوديوم المصهور يستطيع طرح حرارة من النواة أكثر من الماء وهو أقل ضررًا للأنابيب المعدنية من الماء الساخن، إلّا أنه معدن سام جدًا وقابل للاشتعال بشدة إذا تعرّض للأوكسجين. وكما يقول 'ماخيجاني' : "المشكلة مع التبريد بالصوديوم، أنه ثبت بأنه كعب أخيل."

ويشير 'ماخيجاني' هنا لمثالين معروفين عن الصعوبات الكائنة في صلب خطة التبريد بالصوديوم. الأول هو مفاعل "سوبر فينيكس Superphénix" في فرنسا الذي عانى على مدار سنين تشغيله العشر لتخطي حاجز السبعة بالمئة من طاقته الإنتاجية بسبب التسرب المتكرر للصوديوم لخزانات الوقود. والمثال الثاني أكثر إثارة للقلق، في اليابان أُقفل مفاعل "مونجو Monju" بعد أقل من عام على وصوله للحالة الحرجية؛ وذلك بسبب حلقة الصوديوم السائل التي حطمت أحد الأنابيب باهتزازاتها ما أشعل حريقًا هائلًا عندما تعرض الصوديوم للأوكسجين في الهواء. ويتابع 'ماخيجاني' بالقول عن التبريد بالصوديوم: "بعض المفاعلات عملت بشكل لا بأس به، وبعضها عمل بشكل سيء، وبعضها كان كارثة اقتصادية."

وتمتلئ حاليًا مخابر "تيرا باور" بقطع من قضبان الوقود ومكونات المفاعل؛ ويقوم الفريق بعدة اختبارات من ضمنها، اختبار كيفية تدفق الصوديوم المصهور عبر أنابيب المفاعل، وكيف سيتآكلها، والتمدد الحتمي لكافة مكونات النواة بعد عقود من تعرضها للحرارة، وكل المشكلات التي أصابت المفاعلات المبردة بالصوديوم في الماضي.

وسيستفيد مهندسو "تيرا باور" مما تعلموه من نتائج الاختبارات عند بنائهم للمفاعل التجريبي؛ وسيكتشفون عندها إذا كان تصميمهم يعمل حقًا.

ويتكون نظام الأمان في مفاعل "تيرا باور" جزئيًا من عوامل تصميم الأمان الضمني؛ بالطبع كل المفاعلات مصممة بأنظمة أمان، وكل مفاعل لديه زمن للتكيف يشير إلى كم من الوقت يستطيع المفاعل المتصدع التحمّل بدون تدخل بشري قبل حدوث الكارثة.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي هناك محاولات لتسويق أفكار ما يسمى مفاعلات الأمان الضمني، ولكن ما تهدف إليه "تيرا باور" هو مفاعل يعتمد على الفيزياء الأساسية لتأمين زمن تكيّف لا محدود.

ويتضمن تصميم مفاعل الموجة الراحلة بعض أنظمة الأمان القياسية للمفاعلات النووية؛ ففي كل المفاعلات، عند حصول أي حادث تهبط قضبان التحكم المصنوعة من مواد ماصة للنيوترونات -كالكاديوم- بسرعة لداخل النواة وتوقف بشكل سريع سلسلة التفاعل التي قد تؤدي إن تُركت لانصهار النواة؛ وهذه العملية تُدعى الإطفاء السريع للمفاعل "scram".

ويُقلّص الإطفاء السريع للمفاعل معدل الانشطار النووي للصفر تقريبًا في زمن قصير جدًا، ومع هذا فإن الحرارة المتبقية يمكن أن تتسبب بكارثة.

فعلى سبيل العبرة، بعض قضبان الوقود في مفاعل "تشيرنوبيل" تشققت أثناء الإطفاء السريع للمفاعل ما سمح للمفاعل بالاستمرار حتى الانصهار؛ وفي محطة "فوكوشيما دايتشي" فشل نظام التبريد المعطوب بنقل الحرارة خارج النواة بالسرعة المطلوبة. ولهذا يريد فريق "تيرا باور" إيجاد مفاعل يهدأ بشكل طبيعي حتى لو فشلت أنظمة أمانه.

 ويُحافظ مفاعل "تيرا باور" على برودته بفضل قضبان وقود اليورانيوم النقي التي تطرح الحرارة خارج النواة بفعالية أكبر من قضبان الوقود في المفاعلات القياسية الحالية، وحتى إن عجزت عن منع الانصهار، فإن الشركة تحتفظ بورقة رابحة أُخرى وهي بحسب شرح 'جليلاند'، عند ارتفاع حرارتها بشكل كبير تتمدد قضبان الوقود بما يكفي للسماح للنيوترونات بالانسلال عبرها دون الاصطدام بالمزيد من البلوتونيوم-239 وبهذا يبطئ التفاعل وتبرد النواة تلقائيًا.

ويزعم فريق "تيرا باور" أن مفاعل الموجة الراحلة يُنتج كميات أقل من النفايات المشعة لأنه يحرق وقوده بفعالية أكبر؛ وبحسب الشركة إن مفاعل موجة راحلة بقدرة 1200 ميجا واط سيُنتج 5 أطنان من النفايات مقابل إنتاجه السنوي من الطاقة، في حين تُنتج المفاعلات القياسية -بذات القدرة- 21 طن من النفايات مقابل إنتاجها السنوي من الطاقة.

وإن صحّت هذه الأرقام، فإن هذا المفاعل سيُعالج مشكلة التخزين المستمرة عبر تقليصه بشكل كبير حجم النفايات المنتجة التي تبقى مشعّة للغاية لآلاف السنين. هذا وبعد مرور أكثر من 60 عامًا على بدء العصر النووي لم تحرز أي دولة سوى فنلندا والسويد تقدمًا ملحوظًا ببناء مستودعات عميقة ودائمة للنفايات، وحتى تلك المستودعات لن تجهز قبل العقد الثالث من ألفيتنا.

7.jpeg

أقوال سميل:

(أي شيء يعتمد على تداول سائل الصوديوم الحار، لن يكون بناءه وتشغيله سهلًا.)

وتخطط "تيرا باور" لوضع حجر الأساس لمفاعلها التجريبي في الصين في العام القادم، وإذا جرت الأمور كما هو مخطط لها سيوضع المفاعل على قيد العمل بحلول عام 2025. وحتى بحال النجاح الساحق لمفاعل "تيرا باور" ستحتاج الشركة لعشرين عامًا أو أكثر لنشر أعداد كبيرة من مفاعلات الموجة الراحلة. ولهذا لن يكون أمام المؤسسات خيارًا في العقدين القادمين سوى الاعتماد على الوقود الأحفوري والمفاعلات النووية التقليدية لتأمين كهرباء ثابتة على مدار الساعة.

قد لا يكون الانشطار النووي هو الحل النهائي للطاقة؛ وبعد عقود من مقولة "يبعد الانصهار النووي 30 عامًا" قد يكون وصل. وقد تقدر المجتمعات أن تعتمد أكثر على الطاقات المتجددة لأن تخزينها وتقنياتها الأخرى تجعلها أكثر كفاءة؛ ولكن يُصرّ بعض المحللين أن الانشطار النووي هو الخيار الأمثل للعقود القادمة من حيث الكفاءة وانعدام الانبعاثات لتحمّل أعباء  اقتصادات العالم سريعة الكهربة.

وتقول 'جاين لونج' المديرة المساعدة السابقة في "مختبر لورنس ليڤموور الوطني Lawrence Livermore National Laboratory" في كالفورنيا: "لا أعتقد بوجوب التفكير حول حلول يمكن الوصول إليها بمنتصف القرن لتكون حلولًا أبدية؛ ولو كنت في موقع المسئولية عن كل شيء لقلت، دعونا نضع خطة بعيدة المدى للحصول على كل كهربائنا من ضوء الشمس فهناك الكثير منه؛ أمّا للمدى المنظور يجب علينا أن لا نستثني الأشياء ذات الأثر الكبير -كالطاقة النووية- من خياراتنا."

وبحسب 'لونج' مع زيادة حرارة العالم وعدم استقرار المناخ المتنامي، النقاش حول الطاقة النووية سيطفو على السطح أكثر ويقول 'لونج' : "لابد أن نصل لمكان حيث يُدرك الناس كم نحن بحاجة للطاقة النووية."

8.png

المصدر: https://spectrum.ieee.org/energy/nuclear/terrapowers-nuclear-reactor-could-power-the-21st-century

 

قراءة 901 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 14 آب/أغسطس 2018 16:30
منتدى أسبار الدولي. جميع الحقوق محفوظة ©2019.