المدونة

الخميس, 14 حزيران/يونيو 2018 02:29

حكاية أبل والطاقة النظيفة

 apple inc to build 2 gigawatts of alternative energy projects in china 672x372

أهم ما في الأمر أن هذه القفزة المتجددة تجمع كل العناصر من المزودين وصولًا للمؤسسات المحلية معًا في هذه الرحلة.

من الصعب تصديق حجم مركز معلومات أبل في رينو، ولاية نيڤادا فمن سمع ليس كمن رأى، فالمركز يقوم على خمس أبنية بيضاء طويلة تقف جنبا لجنب تنتصب على أرضية منخفضة عند طريق I-80 السريع، ويربط بينها ممر بطول ربع ميل، وعلى كلا الجانبين هناك أكثر من خمسين غرفة كبيرة لا ضوء فيها إلا بوارق دارات ما يقارب 200000 من الخوادم حيث تقطن مساعدة أبل "سيري" مع باقي خدمات أبل كالأي كلاود وأبل ميوزيك وأبل باي.

تشغيل كل هذه الألات وتبريدها يحتاج لكم هائل من الطاقة وبدون انقطاع أو فواصل أو إرهاصات. وفي مركز البيانات في رينو يحصل ذلك بطاقة نظيفة 100% عن طريق ثلاث مزارع للطاقة الشمسية تابعة لأبل.

يؤمن مشروع فورت تشرشل الشمسي عشرين ميغا واط من الطاقة النظيفة لمركز البيانات في رينو، وهو أول مزرعة شمسية بُنيت وأقربها للمركز حيث يحتاج قرابة الساعة للوصول إليه ويقع جنوبا قرب بلدة ييرنغتون بأحد الأرياف المنعزلة في ولاية نيڤادا. ولن تجد هناك سوى أرض خلاء محاطة بتلال منخفضة وخشنة وسماء صحراوية زرقاء. وإذا وقفت عند السور القريب من الطريق الرئيسية ستبدو لك الوحدات الشمسية على مد البصر ممتدة بخطوط بالجهة المقابلة وحولها مرايا مقعرة تركز الضوء على خط الخلايا الشمسية السوداء المتمركزة أمامها.

يشكل مشروع تشرتشل واجهة العدد المتنامي لمصادر الطاقة المتجددة التي ظهرت قرب مراكز بيانات أبل في السنوات السابقة. ولأن هذه المراكز ومعداتها يستهلكون طاقة أكثر من أي منشآت أخرى لأبل، سعت الشركة لتزويدها بطاقة متجددة 100% وهذا ما حصل كليًا في عام 2014.

أعلنت أبل أنها انتهت من تزويد كل مراكزها بالطاقة النظيفة بشكل كامل بدءاً بمركزها الرئيسي الجديد المجهز بأكبر سطح شمسي في العالم مرورًا بمراكز التوزيع وانتهاء بمحال البيع بالتجزئة حول العالم. وبالبرغم أن هذه المراكز لا تشمل المزودين والمصانع المتعاقدة معها والتي تساعد بجعل الأفكار واقعًا إلا أن الشركة أقنعت 23 شركة من شركات سلسة الإمداد بتوقيع تعهد للعمل لتزويد كل ما يتعلق بعمل منتجات أبل بالطاقة المتجددة.

توج هذا الإنجاز جهود ست سنوات من العمل الدؤوب على مختلف الأصعدة من تمويل وبناء وإيجاد مصادر جديدة للطاقة المتجددة كمزارع الشمس والرياح بقرب منشآت الشركة. وبحسب قول شركة أبل إن لديها الأن 25 مشروع طاقة متجددة قيد العمل -بالإضافة لـ 15 مشروع قيد الإنشاء- في 11 دولة.

قبل ثمان سنوات لم يكن سوى 16% من منشآت أبل تعمل على الطاقة المتجددة، وبحلول 2015 ارتفعت النسبة لتصل 93% و 96% بعام 2016.

وتعبيرا عن جدّيتها في هذا الموضوع عينت أبل المديرة السابقة لوكالة حماية البيئة (EPA) ليزا جاكسون كنائبة رئيس لمبادرات البيئة والمجتمع والسياسة العامة. وأراد تيم كوك المدير التنفيذي لأبل من ليزا جاكسون أن تصب جلّ اهتماها على المبادرات البيئية، وأن تكون مبعوثتها المعتبرة المحتملة لدى العاصمة، واستطاعت تولي المهمتين.

ووفقًا لجاكسون أنه كان بمقدور أبل إعلان إنجازها الفارق بما يخص الطاقة المتجددة قبلًا، وقالت: "إذا نظرتم لخطنا البياني في العامين السابقين ستجدون أننا كنا على مشارف المئة بالمئة؛ وصحيح أن ما كان يفصلنا 4% فقط ولكن يجب أن تتم بالطريقة الصحيحة." وتابعت جاكسون بالقول: "يجب على هذا الإعلان أن يعطي شعورا شبيه بإعلانات إصدارات أبل الكلاسيكية، فنحن كما في منتجاتنا نُجمّل التفاصيل، كما أن معاييرنا حازمة جدًا، لذا نفضل الانتظار والالتزام بمعاييرنا على الاستعجال لأجل الإعلان عن ذلك فقط."

تحدثت مع ليزا جاكسون في أحد غرف المؤتمرات العديدة والمتطابقة في متنزه أبل حيث تظهر درع "المركبة الفضائية" من خلال واجهة زجاجية كبيرة.

ترعرت ليزا جاكسون في نيو أوريلنز ودرست هندسة الكيمياء. لديها نبرة صوت سلسة وطريقة متأنية بالكلام ولكن جريئة؛ وتتجنب تكلف المصطلحات المتعلقة بالطاقة، وكانت واضحة بشأن ما شهدته وما أنجزته خلال السنوات الخمس الماضية.

هدف أبل من الإعتماد على الطاقة النظيفة 100% بالطبع أن تخفف انبعاثات الوقود المضرة، وبحسب الشركة إن انبعاثات الدفيئة لديها انخفضت بنسبة 58% منذ عام 2011 مانعة ما يقارب المليوني طن من غاز ثاني أوكسيد الكربون من دخول الغلاف الجوي. ولكن تقدم أبل قياسًا للأرقام ليس الأمر الوحيد، فحيث تملك الشركة منشآت تقوم أبل بلعب دور المحفز وتعمل مع المنظمين والمؤسسات المحلية لبناء مزارع شمسية وريحية لتضخ طاقة نظيفة في الشبكة العامة. وأخبرتني ليزا جاكسون أن أبل تفضل فعل هذا بوجه خاص في الأسواق المعتمدة بشكل أساسي على الطاقة الأحفورية المضرة كالفحم والنفط. وقالت: "إنه لنهج مهم، لأنه ينمي سوق الطاقة النظيفة حولنا."

وفي تصريح لموقع "فاست كومبني" يقول أل جور نائب الرئيس السابق وعضو مجلس إدارة أبل منذ 2003 ومؤلف كتاب "الحقيقة المرّة":

إنه لبرهان على قضية العمل أن الإدارة المتقنة للشركات باستطاعتها خفض غازات الدفيئة المسببة لأزمة المناخ وخفض تكاليف استهلاك الطاقة في آن معا. وجهود شركتنا تغير طريقة تعامل قطاع التقنية مع الطاقة محليًا وعالميًا. "

 

البداية مع مراكز البيانات

مع اقتراب أبل من هدفها قامت بتركيز جهودها على مكاتبها ومحالها حول العالم، وخلال العام المنصرم انشغلت بالبحث عن مشاريع طاقة متجددة وتوقيع اتفاقيات شراء الطاقة (PPA) بعدة أماكن حول العالم كالبرازيل والهند والمكسيك وتركيا. ولكن كان من الصعوبة إيجاد مشاريع طاقة متجددة صغيرة لتلبية الحاجة المحدودة للطاقة في أماكن كمكاتب المبيعات.

في البداية استطاعت أبل بخطوات كبيرة أن تقطع أغلب الطريق نحو هدف 100% طاقة نظيفة، وفعلت هذا بإيجاد أو إحداث مصادر طاقة متجددة لتغذية مراكز البيانات الشرهة للطاقة التي كانت تبنى لخدمات أبل ك سيري وأي كلاود وأبل ميوزيك والتي بدورها أصبحت مفتاح مستقبل الشركة.

أعلنت أبل نيّتها بناء مراكز بيانات في واكي وفي ايرلندا وفي الدنمارك وفي الصين؛ بالإضافة لتلك التي تملكها الأن في مدينة مايدن في كارولاينا الشمالية ورينو في نيڤادا وميسا في أريزونا ونيوارك في كالفورنيا وبرنڤيلفي أوريجون.

وتحتاج تلك المنشآت لقدر هائل من الطاقة لتشغيل الخوادم وقدر أكبر لتبريدها؛ وقبل شروع أبل ببناء هذه المراكز أخذت قرارًا بتشغيلها بطاقة متجددة.

كان باستطاعت أبل باحتياطتها النقدية البالغة 285 مليار دولار أن تشتري طاقة نظيفة كافية لتصل هدفها، ولكن من أكثر معايير أبل حزمًا بحسب جاكسون هو ما يدعونه "الإضافيوية" وبكلمات أخرى هو تقديم الدعم لإحداث مصادر جديدة للطاقة المتجددة. وتقول جاكسون في هذا السياق: نريد أن نضخ طاقة جديدة ونظيفة في الشبكة لأننا لا نود استهلاك كل الطاقة النظيفة الموجودة الأن."

عندما وضعت أبل خططها قيد الإنشاء في بداية عام 2010، كان قطاع الطاقة ينظر لمصادر الطاقة المتجددة كالشمس والرياح والطاقة المائية على أنها جديدة وغير كفؤ، لذا كان من الصعب تأمين المتطلبات لمحدوديتها وغلائها. ولكن سرعان ما عرفت أبل أنها إذا كانت جديّة بموضوع تشغيل مراكز بياناتها على الطاقة النظيفة، فيجب أن تكون لها اليد الطولى في تهيئة الأسواق.

وهذا ما حدث في كارولاينا الشماليية حيث بنت أبل أولى مراكز بياناتها في عام 2009، فبعد عدم إيجادها لمزودي طاقة متجددة في المكان قررت بناء مزرعتها الشمسية الخاصة. وفي عام 2012 تعاقدت أبل مع شركة "سن باور" للإنشاءات الشمسية وبنت لها مزرعة شمسية بقدرة 20 ميغا واط قبالة الشارع الذي به مركز البيانات. (ولإعطائكم فكرة عن هذا المقدار من الطاقة فإن 20 ميغا واط تكفي لتغذية 3300 منزل.) وإضافة لمزرعة الطاقة الشمسية بقدرة 20 ميغا واط بنت أبل في كارولاينا الشمالية مشروعين أخرين، مزرعة شمسية بقدرة 18 ميغا واط ومزرعة خلايا وقود عضوي قادرة على توليد 10 ميغا واط من الطاقة النظيفة.

بدأت أبل في عام 2012 بولايتي كالفورنيا وأوريجون باستخدام أحد برامج تكليف الدولة ويدعى "الولوج المباشر" والذي يسمح لكبار مستهلكي الطاقة بشراء الطاقة المتجددة مباشرة من طرف ثالث عوضًا عن المؤسسات المحلية. وهذا ما مهّد الطريق لأبل لتمويل مشاريعها الشمسية والريحية الخاصة مع نيتها أن تكون المستهلك الأول لنتاجها.

وتنوّه أبل أن هذا النهج هو السبب الرئيسي لإحداث عدة مشاريع للطاقة لتغذية مركز البيانات في براينڤل في ولاية أوريجون. واتفقت الشركة مع مشروع "مونتاج" لطاقة الرياح لشراء 200 ميغا واط منه والذي سيبدأ العمل في 2019، واتفقت أيضًا مع مزرعة شمسية قريبة من المركز تدعى "سولار ستار أوريجون II" لشراء 56 ميغا واط. وبالإضافة لذلك تملك الشركة مشروعين صغيرين للطاقة الكهرومائية يولدان الطاقة من ساقيتين للري بالقرب من براينڤل، ولكن بالكاد يؤمنان ما يقارب الواحد بالمئة من احتياجات مركز البيانات من الطاقة.

أتاح برنامج "الولوج المباشر" لأبل شراء الطاقة لمركز بياناتها في نيوارك من شركة "فيرست سولار" ومشروعها -ذو 130 ميغا واط- "كالفورنيا فلاتس" للطاقة الشمسية الواقع في مقاطعة مونتيري بولاية كالفورنيا.  

عندما بدأت أبل بالتحضير لبناء مركز بياناتها في رينو، قامت ببحث خيارات الطاقة المتجددة المتاحة ولكن لم تجد ضالتها في المؤسسة المحلية المدعوة "إن ڤي إينرجي" لأنها في ذلك الوقت لم تكن لديها خبرة كافية بالطاقة الشمسية. ولذا قررت أبل أن تمضي لوحدها في هذا الأمر وتعاقدت مع شركة "سن باور" لبناء مزرعة شمسية جديدة، وكانت النتيجة مشروع فورت تشرشل الذي يمتد على مساحة 137 فدان من الأراضي الصحراوية ويولّد 18 ميغا واط من الطاقة.

 شكّلت بعض المخاوف من زيادة أسعار الطاقة للمستهلكين عائقًا أمام بناء مشاريع جديدة للطاقة النظيفة في نيڤادا، لذا عملت أبل مع شركة "إن ڤي إينرجي" ومع لجنة المؤسسات الحكومية لإحداث هيكل تنظيمي جديد سُمي بـ "برنامج نيڤادا لملحق البيئين"

"Nevada Green Rider Program"

والذي يسمح لكبار مستهلكي الطاقة النظيفة كأبل بدفع كلف إضافية مرتبطة بتطوير الطاقة المتجددة؛ وهذا فتح الطريق أمام أبل لبناء مشاريع جديدة للطاقة المتجددة وبيع نتاجها لشركة "إن ڤي إينرجي" ومن ثم شراء حاجتها بالتجزئة.

ويسمح البرنامج أيضا لأبل بشراء الطاقة من مزرعتين شمستيين أخريتين في نيڤادا وهما مصفوفة بولدر II الشمسية بطاقة 50 ميغا واط ومشروع تيشرن سولار والذي من المنتظر بدء عمله بنهاية عام 2018 بطاقة 200 ميغا واط.

بالإضافة لامتلاك أبل منشأة بونيبروك الشمسية بطاقة 50 ميغا واط والتي تؤمن الطاقة لمركز قيادة أبل في ميسا، وكانت أبل قد عملت مع المؤسسة المحلية "سالت ريڤر بروجكت" التي تقوم الأن بإدارة المشروع والطاقة المنتجة منه.

تبقى أبل وبالرغم من دورها المحوري في تجهيز البنية التحتية للطاقة النظيفة، شركة عتاد وأنظمة وخدمات حوسبية لا شركة طاقة؛ ولهذا تناسبها الشراكة مع المؤسسات المحلية أو المزودين المستقلين للطاقة النظيفة لأنهم يفهمون سوق الطاقة جيدًا، ويفعلون الأشياء بالشكل المناسب كموازنة  أحمال الطاقة مقابل التغذية. وبما أن الطاقات المتجددة قد أصبحت أكثر انتشاراً وأقل تكلفة، فإن المؤسسات المحلية والمطورين وشركات الطاقة النظيفة عقدت العزم على الخوض أكثر في غمار بناء مشاريع جديدة للطاقة، ودور أبل الأساسي سيكون غالبًا الالتزام بشراء الطاقة لفترات تمتد حتى 20 عامًا. وهذا الالتزام لا يساعد مطوري مشاريع الطاقة النظيفة بالتمويل فقط، بل يعطي أبل أسعار طاقة منخفضة ومتوقعة لسنوات طويلة قادمة.

ولا بد ستحتاج أبل لهذه الطاقة مع نمو عملها المتسارع وحجم مراكز بياناتها، فمثلاً توقعت أبل في ملف أعدّته مع لجنة مؤسسة نيڤادا العامة أن يرتفع استهلاك مركز البيانات في رينو للطاقة بمعدل 45% من 2017 لـ 2019؛ ومن المنطقي التفكير بأن المراكز الأخرى ستشهد ارتفاعًا مشابهًا. 

الغسل الأخضر ممنوع

عندما تعلن أبل أن تغذية منشآتها أصبحت 100% من الطاقات المتجددة، هذا لا يعني أن أبل بَنت مزرعة شمسية أو ريحية جديدة لتغذية كل مراكز بياناتها ومحالها ومكاتبها؛ فالأمر أعقد من ذلك بسبب طبيعة أسواق الطاقة الحالية. استغلت بعض الشركات الكبرى هذه التعقيدات لإدعاء تحملها مسئوليات بيئية لا تطابق الواقع. واستحقت أبل الثناء لمقاومتها تلك الإغراءات.

في الوقت الحالي، لا يوجد الكثير من منتجي الطاقة النظيفة الذين يستهلكون الطاقة مباشرة من مما لديهم من الألواح الشمسية، فالسواد الأعظم من منتجي الطاقة المتجددة (ومستهلكيها) متصل بشبكة الطاقة العامة. وما إن تُضخ الطاقة النظيفة في الشبكة، ترتحل إلكتروناتها حيث تحلو لها، وتختلط مع الإلكترونات المولدة من المصادر الملوثة كالفحم والنفط. ولا يمكن لأي مستهلك للطاقة أن يقول: "لا أريد سوى الإلكترونات الخضراء ولا أريد الإلكترونات البنية."

ولذا تم إبتكار عملة تسمى شهادات الطاقة المتجددة (RECs) لتساعد على التفريق بين الطاقة النظيفة والطاقة الملوثة على الشبكة. وكل شهادة تساوي 1 ميغا واط منتج من مصادر الطاقة المتجددة. تعطي هذه الشهادات منتجي الطاقة النظيفة كشركة أبل طريقة لإثبات أنها أنتجت كمية معينة من الطاقة من مشاريعها للطاقة المتجددة في أسواق محددة. وبالعمل بهذه الأرقام يصبح بإمكان الشركات إظهار أن منشآتها استهلكت طاقة في سوق ما أقل من الطاقة النظيفة التي أنتجتها مشاريعها في ذات السوق.

ولكن هناك وجه أخر للقصة، فشهادات الطاقة المتجددة -كائتمانات الكاربون- يمكن بيعها بشكل مستقل عن الطاقة، وهذا يسمح لمستهلك كبير للطاقة أن يشتري فقط الشهادات -بدون الطاقة- من أحد مشاريع الطاقة المتجددة واستغلالها لموازنة استهلاكه للطاقة الملوثة بإحدى منشآته، وقد تكون تلك المنشأة في جزء أخر من العالم وبعيدة كل البعد عن مشروع الطاقة المتجددة الذي أنتج الطاقة المتمثلة بالشهادات؛ وهذا ما يدعى بالغسل الأخضر.

ولكن من ناحية أخرى أبل حرصت على إبقاء شهاداتها مرتبطة بالطاقة الفعلية، وهذا قد يعني الطاقة المنتجَة من مشاريع أبل للطاقة النظيفة، وفي حالات أخرى يعني الطاقة النظيفة التي اشترتها باتفاقيات طويلة الأجل مع مشاريع الطاقة المتجددة الموجودة بالقرب من منشآتها.

وتشرح جاكسون أن أبل تفضل شراء الطاقة من مشاريع الطاقة المتجددة التي كان للشركة دورًا فيها إما بالاستمثار المباشر برأس المال أو بالالتزام لشراء الطاقة منها لمدة طويلة تمتد لعقود أحيانًا؛ وتقول جاكسون: "بإمكانك الذهاب وشراء ائتمانات الكربون وتوازن انبعاثاتك!، وبإمكانك الانتظار ليأتي الآخرون ويقومو بمشروعات الطاقة وتسألهم أيمكننا الحصول على القليل رجاءً؟ وكم ستتقاضون منا مقابل بعض من طاقتكم النظيفة؟" "كلا" تتابع بحزم.

وتقول مفاخرة: "لا أعرف أي شركة أخرى تعمل بصرامتنا للتأكد من وجود الطاقة النظيفة التي تستمثر فيها أو تشتريها على الشبكة الإقليمية حيث يتم استخدامها." ولكنها تدرك أن هناك أماكن في العالم ما يزال فعل هذا بها غير ممكن؛ وإن كان هذا يعود لواقع أسواق الطاقة لا لخيارات اتخذتها أبل. وفي بعض الحالات اضطرت أبل لتوقيع عقود طويلة الأجل للحصول على شهادات الطاقة المتجددة من مشروع جديد كانت قد ساعدت بإنشائه في مكان أخر من الإقليم. وهذا ما حدث مؤخرًا لمكتب شخصين في تشيلي، حيث لم يكن هناك مصدر مستدام للطاقة النظيفة بقربه، لذا قامت أبل بموازنة الطاقة الملوثة المستخدمة بالمكتب عن طريق شهادات طاقة متجددة من أحد مشاريعها للطاقة النظيفة في البرازيل.

أبل ليست الشركة التقنية الوحيدة التي تتقدم بسرعة في مجال المبادرات البيئية، فشركات مثل جوجل وفيسبوك وأمازون تعتمد أعمالهم أكثر من أبل على خدمات الإنترنت، ولهذا يشترون كم أكبر من الطاقة التي تشتريها أبل. كانت جوجل من أوائل الشركات المنتقلة للطاقات المتجددة، وأعلنت أنها أكبر مشتري للطاقة المتجددة في العالم، وأن شهادات الطاقة المتجددة التي اشترتها في عام 2017 تغطي كل عملياتها. ومن جهتها أعلنت فيسبوك أنها تجاوزت هدفها بتزويد مراكز بياناتها بالطاقة المتجددة بنسبة 25% وتعمل الأن للوصول لنسبة 50% بحلول نهاية العام 2018. أما شركة أمازون لخدمات الويب فقد أعلنت أنها تخطت حاجز 40% في عام 2016 وتعمل على الوصول لـ 100% طاقة نظيفة لمراكز بياناتها.

(توضيح: أشارت المتحدثة باسم جوجل ايمي اتلاس أن جوجل تشتري الطاقة النظيفة المرتبطة بشهادات الطاقة النظيفة ومن ثم تقوم بسحب الشهادات كي لا تُستخدم مرة أخرى. وأضافت أن جوجل تشتري الطاقة من الشبكة الكهربائية الموصولة بمراكز بياناتها.)

وبحسب مدير الطاقة والبيئة في جامعة ڤيرمونت للقانون كيڤن جونز أنه في حين تم إساءة استخدام شهادات الطاقة المتجددة في بعض الولايات ومن قبل الحكومات المحلية والشركات وحتى شركات الطاقة الشمسية للتلاعب بالنظام، تصرفت الشركات التقنية الكبيرة على أحسن وجه. ويقول موضحًا: "إن شركات كأبل وجوجل وضعت بحق القاعدة الذهبية للطريقة التي يجب على الحكومات والشركات أن تنفذها لتحقيق أهدافهم للطاقة المتجددة. فتلك الشركات (أبل/جوجل) تمضي قُدمًا بهذا بالتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقيات شراء الطاقة وتبقيها مرتبطة بشهادات الطاقة المتجددة." والبديل العديم الضمير عن هذا هو شراء شهادات الطاقة المتجددة واستخدامها لموازنة تكلفة الطاقة النظيفة.

ماذا عن سلسلة الإمداد؟

 

من المعروف أن أبل لا تقوم بعمليات تصنيعية على مستوى كبير وبرغم حجم عملياتها إلا أن شبكتها من مزودي المكونات والصانعين المتعاقدة معهم تبقى أكبر حجمًا، وهذه الشبكة تحمل معظم العبئ في جعل صناعة منتجات كالأيفون ممكنًا؛ وإقناعهم بتبني الطاقة النظيفة هو فرصة -وتحدي- بحد ذاتها.

بدأت أبل في عام 2015 برنامجًا لدفع المزودين نحو الطاقة النظيفة؛ وفي العام المنصرم تعهدت 14 شركة منهم بالعمل على تشغيل العمليات الخاصة بخدمة أبل بطاقة متجددة 100%، وأعلنت أبل اليوم أن 9 شركات أخرى من مزوديها وعدت بالوصول لهذا الهدف. ويتضمن هذه المجموعة بعض الأسماء الكبيرة كتجمع "بيجاترون" صاحب مصانع منتجات أبل -من الأيفون وغيرها- في شنغهاي وكونشان في الصين. ومصانع "كوانتا كومبيوتر" مصنعة الماك بوك إير والماك بوك برو وساعات أبل في تايوان. وشركة "فنسار" بكالفورنيا التي تصنع الشعاع الليزري الذي يشغل ميزة التعرف على الوجه في أجهزة أيفون اكس. وحتى "إيكو ليذر" أحد مزودي أبل برباطات الساعات تعهد بذلك أيضًا.

وبحسب أبل فإن استخدام مزوديها الطاقة النظيفة من مشاريع الطاقة المتجددة في عام 2017 جنّب إطلاق أكثر من مليون ونصف طن من غاز ثاني أوكسيد الكربون. وهذا يماثل إيقاف 300000 سيارة عن العمل كما توضح الشركة.

ومع هذا فإن أحد أكبر الأسماء يغيب عن قائمة المتعهدين بطاقة نظيفة 100% وهي شركة "فوكسكون" ومصانعها في الصين التي تستهلك طاقة أكثر من كل مزودي أبل، وغالبًا أكثر من أبل بذاتها.  ولكن غيابها لا يعني أنها تضع العصي بالدواليب، ففي عام 2015 وبمبادرة من أبل وافقت "فوكسكون" على بناء مشروع شمسي بقدرة إنتاج 400 ميغا واط في مقاطعة خنان في الصين وسيبدأ في عام 2018. وبحسب قول "فوكسكون" إنها ستنتج طاقة نظيفة بقدر الاستهلاك النهائي لمعملها -في تشنغتشو- في عملية الإنتاج النهائي للأيفون.

ووفقًا لجاكسون إن المزودين كانو متعاونين لدرجة مذهلة، بالتعهد باستخدام طاقة نظيفة بشكل كامل، وقالت جاكسون: "لأبل تاريخ طويل بأخذ المزودين والذهاب سويًا للعالمية، وهذا جزء من أن تكون عالميًا."

والحقيقة أنه كان لأبل تأثير كبير بدفع مزوديها نحو الطاقات المتجددة، ومنذ انضمام تيم كوك للشركة في عام 1998 للإشراف على العمليات، عُرفت الشركة كمفاوض عنيد وكزبون متطلب؛ والأن ترمي أبل بكل ثقلها بمجال حماية البيئة.

طلبت من ليزا جاكسون أن تصف كيف تجري أبل عملية إقناع المزودين بالتحول للطاقة المتجددة، وكانت صريحة بذلك، وقدمت معلومات وافية. وبحسب جاكسون إن المحادثات قد تجري كالشكل الأتي: "حسنًا، هذا الأمر يصبح مهمًا لنا بشكل متزايد، لذا حاول أن تسبق الشخص الذي يريد أخذ هذا العمل منك؛ اعمل على تنظيف طاقتك؛ تصرف فورًا."

وتتابع جاكسون: "ما نقوله هو أننا بجانبك وسنساعدك باستكشاف الصفقات وتقييمها إن كانت حقيقية، وسنساعدك بمعرفة ما تفاوض عليه؛ ولأن أغلبهم يريدون أن يفعلو شيئًا، فما بوسعنا أن نفعله هو أن نكون لهم شركة استشارات داخلية."

وتضيف أنه من المرجح في وقت ما أن تطلب أبل من مزوديها أن يعملو على الطاقة النظيفة كشرط لإتشاء علاقة عمل معهم.

أشار تقرير لمنظمة السلام الأخضر أنه حتى الأن ما زالت أبل الأكثر تميُّزًا بين شركات التقنية بما يتعلق بمتابعة عمليات تقدم الطاقة النظيفة لمزوديها؛ وبحسب التقرير  إن أبل كانت حتى الأن شديدة إلى حد ما بسعيها لتحقيق هدفها بنشر أربعة جيجا واط من الطاقة المتجددة في سلسة إمدادها بحلول 2020؛ وأنها قد قامت بتقدم ملحوظ مع مزوديها أيضًا.

عودة لمتنزه أبل في كوبرتينو تشعرنا بالتزام الشركة للبيئة بشكل ملموس أكثر من حرم "الإنفينت لووب" القديم الذي يبعد عدة أميال من هنا. وبعيدًا عن أسلوب التصميم الواضح للبناء بحد ذاته، يبدو المكان تواقّا لتناغم العناصر كما فلسفة الزن؛ بين المباني ذات التقنية العالية وبين البيئة المرممة التي تحيط بها. الفضي والأسود هما اللونان الطاغيان ومحاطان بالكثير من الخضرة. ثمانون بالمئة من الحرم مساحات مفتوحة، وعندما تسير حول الأبنية تستطيع شم رائحة الأشجار بالخارج -زُرعت 9000 شجرة بأمكنة كانت معبدة- بالإضافة للأعشاب الطبيعية في المكان. التبريد بمعظمه يأتي من التيار الهوائي الطبيعي، وتؤمن الألواح الشمسية على السطح بعضًا من الطاقة.

ويبقى ما أنجزته أبل في منتزهها ومراكز بياناتها وأماكن أخرى في الوصول لمئة بالمئة طاقة متجددة ليس بالنهاية السعيدة ويقتصر على كونه خطوة -وإن كبيرة- على طريق الشركة في المجال البيئي.

وكما أعلنت فإنها تريد التوقف عن استخدام المعادن النادرة المستخرجة بالتنقيب في منتجاتها؛ وتبقى هذه الصناعة شائعة ولديها مشاكلها البيئية الخطرة.

قطعت أبل شوطًا طويلًا بإقناع المنظمين والمؤسسات المحلية بالتحضير لزمن لا يتسامح به باستخدام مصادر طاقة كالفحم والنفط (إن وجدت أصلا) وهذا المسعى يجب أن يستمر في وقت تبدو إدارة ترمب مصممة على إجهاض المساعي لمواجهة الاحتباس الحراري.

(في العام المنصرم أخبر تيم كوك موظفي أبل أنه فشل بمحاولة إقناع الرئيس ترمب بالبقاء في اتفاق باريس للمناخ.)  

وبرغم بقاء الكثير من الأشياء غير مؤكدة إلا أن ليزا جاكسون متفائلة بشأن مستقبل الطاقة المتجددة وتقول بهذا الصدد: "لا أرى شيئًا سيوقف انحسار مؤشر الطاقة الكربونية؛ وسيأتي وقت ترى دولًا تقوم بذلك."

عندما يحدث هذا ستستحق أبل وعمالقة التقنية الآخرين الثناء لدورهم بتدوير عجلة الطاقة النظيفة، وهذا الإسهام لخير البشرية سيكون ذا معنى كأي تقنية جديدة قد تباع في محالها.

قراءة 658 مرات آخر تعديل على الخميس, 19 تموز/يوليو 2018 17:10
منتدى أسبار الدولي. جميع الحقوق محفوظة ©2019.