المدونة

الأربعاء, 01 آب/أغسطس 2018 09:09

أيها العاملون في البيانات حول العالم اتحدوا مميز

ماذا لو دُفع للناس لقاء بياناتهم؟

يعتقد المدافعون عن «البيانات كمجال عمل» انه يجب ان يُدفع للمستخدمين لقاء استخدام الخدمات الإلكترونية

20180707 WID005

« عبودية البيانات» تعتقد الفنانة الأمريكية جينفر لين مورون ان هذه هي الحالة التي يعيشها معظم الناس اليوم.  حيث تأسفت أن الناس يقدمون معلوماتهم الخاصة لشركات التكنولوجيا للحصول على خدمات إنترنت مجانية. وتقول: " ان البيانات الشخصية ذات قيمة اكبر بكثير مما تعتقد". لتسليط الضوء على هذه الحالة المؤسفة، لجأت الأنسة مورون إلى ما وصفته بـ "الرأسمالية المتطرفة": سجلت نفسها كشركة في ولاية ديلاوير في محاولة لاستغلال البيانات الشخصية لتحقيق مكاسب مالية. وأنشأت ملفاً يحتوي على مجموعات فرعية مختلفة من البيانات، والذي عرضته في معرض في لندن عام 2016، وطرحته للبيع، ابتداءً من 100 جنيه استرليني (135 دولار). يمكن الحصول على المجموعة كاملةً - بما في ذلك البيانات الصحية ورقم الضمان الاجتماعي- مقابل 7,000 جنيه استرليني.

حيث ابدى عدد قليل من المشترين اهتمامهم بالعرض ووجدت «ان الامر برمته سخيف حقا.»  إذا كانت مهمة الفنان استباق روح العصر، فإن الأنسة مورون كانت محقة تماما. حيث ان العالم اكتشف ان شيئا ما فاسد في اقتصاد البيانات. منذ ظهور «كامبريدج اناليتيكا» في اذار، حصلت جهات استشارات سياسية بطرق خفية على بيانات 87 مليون مستخدما للفيسبوك، و ارتفع عدد الاصوات التي تطالب بإعادة التفكير في التعامل مع البيانات الشخصية عبر الإنترنت.   وقد دعت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل مؤخرا إلى تقييد استخدام البيانات الشخصية وطلبت من الباحثين التقدم بحلول.

يمكن اعتبار البيانات المقدمة من الناس شكلاً من أشكال العمل الذي يُشغل الذكاء الاصطناعي

وتابعت الأنسة مورون انه من غير المرجح استمرار الحالة الراهنة للشؤون الرقمية حيث ان جمع واستغلال البيانات الشخصية تهمين عليه شركات التكنولوجيا الكبرى وحيث يعرض الأفراد البيانات الخاصة بهم للبيع. لكن ماذا لو تحكم الناس  في بياناتهم وكان على عمالقة التكنولوجيا الدفع مقابل الوصول للبيانات؟ كيف سيبدو اقتصاد البيانات ؟

لن تكون هذه المرة الأولى التي يتحول مورد اقتصادي هام من مجرد مورد يستخدم ببساطة الى مورد يُمتَلك ويُتَداول، الامر نفسه حدث بالفعل مع الارض والمياه على سبيل المثال. بيد ان المعلومات الرقمية تبدو مرشحا غير محتمل الاحالة الى الاسواق. على غرار الموارد المادية، فإن المعلومات الشخصية تعد مثالا على ما يسميه الاقتصاديون «سلع غير تنافسية»، بمعنى انها يمكن ان تستخدم اكثر من مرة.  والحقيقة انه كلما استخدمت اكثر كلما كان ذلك افضل للمجتمع. وتظهر التسريبات المتكررة مدى صعوبة التحكم في البيانات. لكن هناك سابقة تاريخية أخرى قد تكون انموذجا – كما تنسجم مع القلق المعاصرة حول "الإقطاعية التقنية(technofeudalism)"، وذلك بحسب جارون لانير، الرائد في مجال الواقع الافتراضي، وغلين ويل، الخبير الاقتصادي في جامعة ييل (Yale University)، ويعمل كلاهما لصالح مركز أبحاث مايكروسوفت.

العمل - مثل البيانات- من الموارد التي  يصعب توصيفها. لم يتلقى العاملون تعويضات مناسبة لقاء عملهم في معظم مراحل التاريخ الإنساني. استغرق الأمر عقودا لكي تحقق الأجور مستوى معيشة متوسطا وذلك حتى عندما امتلك الناس حرية استخدام انفسهم.  التاريخ لن يعيد نفسه، ولكن هناك احتمالات انه سوف ينتظم وفق قافية، هكذا يتوقع السيد ويل في كتابه «الأسواق الراديكالية» وهو كتاب جديد ومثير اشترك في كتابته مع ايريك بوسنر من جامعة شيكاغو. ويقول انه من المنطقي التعامل مع البيانات كشكل من أشكال العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.

مما يساعد في فهم السبب علينا ان نضع في اعتبارناان «الذكاء الاصطناعي» تسمية مغلوطة. السادة ويل وبوسنر يطلقون عليه اسم «الذكاء الجماعي»: حيث ان معظم خوارزميات الذكاء الإصطناعي تحتاج الى التدريب عن طريق مجموعة من الامثلة التي ينتجها الانسان في عملية تسمى التعليم الآلي. ان الخوارزميات لا يمكنها ترجمة اللغات أو فهم الكلام أو التعرف على الأجسام في الصور ما لم تُعرف بالإجابة الصحيحة (التي يقدمها الإنسان). وبالتالي فإن البيانات التي يقدمها الإنسان من الممكن اعتبارها شكلا من أشكال العمل التي تُشغل الذكاء الاصطناعي. ان اقتصاد البيانات آخذ في الاتساع، وهكذا عمل قائم على البيانات سوف يأخذ أشكالا متعددة.  الكثير من ذلك سوف يتخذ طابعا سلبيا حيث ان الناس مندمجون بكل أنواع الأنشطة-مثل إبداء إعجاب على منشورات التواصل الاجتماعي والاستماع إلى موسيقى والتوصية بمطاعم- التي تنتج البيانات الازمة لتشغيل خدمات جديدة.  ولكن العمل القائم على البيانات لبعض الأشخاص سوف يتخذ طابعا اكثر فاعلية حيث انهم يقومون بإتخاذ قرارات (مثل وسم الصور او قيادة سيارة في مدينة مزدحمة) والذي يمكن ان يستخدم كأساس لتدريب نظم الذكاء الاصطناعي.

بغض النظر اذا ما أُنتجت البيانات بطريقة فعالة او سلبية، فإن عدد قليل من الناس سوف يكون لديهم الوقت او الرغبة للاستمرار في تتبع البيانات التي قاموا بإنتاجها أو تقدير قيمتها. حتى أولئك الذين سوف يفعلون سيفتقرون قوة المساومة للحصول على صفقة جيدة من شركات الذكاء الاصطناعي. لكن تاريخ العمل يعطي تلميحاً عن كيف يمكن للأمور ان تتطور: تاريخيا، في حال ارتفعت الأجور إلى مستويات مقبولة فإن السبب غالبا ما يعزى إلى وجود نقابات.     وبالمثل فإن السيد ويل يتوقع ظهور ما يسميه «نقابات عمل البيانات» ومنظمات تؤدي دور الحارس على بيانات الناس.  سوف يفاوضون -كأسلافهم- بشأن الأسعار ويرصدون عمل البيانات للأعضاء والتحقق من جودة مدخلاتهم الرقمية عن طريق الاحتفاظ بنقاط السمعة على سبيل المثال. يمكن ان تقتصر النقابات أعضائها على أخصائيين عمل البيانات، وحتى تنظيم الإضرابات من خلال حجب الوصول للتأثير على شركة ما تستفيد من بيانات أعضاء النقابات.  وبالمثل فإن نقابات البيانات يمكن ان توجه قنوات مساهمة بيانات الأعضاء وتقوم بتتبع عملهم إضافة الى تحرير فواتير لشركات الذكاء الاصطناعي التي تنتفع منهم.

وكل ذلك يبدو وكأنه خيال علمي. على سبيل المثال لماذا ينبغي على جوجل وفيسبوك التخلي يوما عن نموذج الأعمال الحالي الذي يقوم على استخدام البيانات المجانية لبيع الإعلانات المستهدِفة عبر الإنترنت؟  حيث حققتا مجتمعتين  135 مليار دولار من دولارات الاعلانات في عام .2017 اذا كان عليهما تعويض الناس عن بياناتهم، فإن ذلك سوف يكون اقل ربحية بكثير بالنسبة لهما. في الوقت الذي فشلت فيه مشاريع ناشئة مثل سيتيزين مي وداتاكوب - والتي يمكن اعتبارهما شكلا مبكرا لنقابات البيانات- في احراز الكثير من التقدم حتى الان. لكن من زاوية اخرى في هذا المجال فإن عمالقة التكنولوجيا بالفعل تدفع مقابل البيانات بالرغم من أنها تحرص على عدم التحدث عن ذلك كثيرا. وغالبا ما يتم ذلك من خلال الاستعانة بمصادر خارجية وتوظيف جيش من المقّيمين والمشرفين للتأكد من جودة خوارزمياتهم وإزالة المحتوى الغير قانوني أو المسيء.  كما تستعمل شركات أخرى منصات العمل الجماعي، مثل أمازونز ميكانيكال تورك (Amazon”s Mechanical Turk)، كي للاستفادة من عمل البيانات مثل الاشارة إلى الصور. أولمايتي ايه اي، شركة ناشئة في سياتل، تدفع لآلاف من العاملين عبر الإنترنت لوسم صور  لمواقع من الشارع والتي تستعمل لتوجيه الخوارزميات التي تشغل السيارات ذاتية القيادة.

اذا وصل الذكاء الاصطناعي مستوى مثيرا للضجة فإن ذلك سوف يؤدي الى خلق الحاجة الى بيانات أكثر وأفضل .  بينما يزداد تعقيد خدمات الذكاء الاصطناعي، تحتاج الخوارزميات ان تغذى بمعلومات رقمية ذات جودة عالية، والتي سوف يعطيها الناس فقط عندما يُدفع لهم لقاء ذلك.  بمجرد ان تبدأ شركة تكنولوجيا كبيرة بالدفع لقاء البيانات، يتحتم على الآخرين الانقياد للامر ذاته.

التعامل مع البيانات كوسيلة عمل يعني ان أرباح عمالقة التكنولوجيا من المحتمل ان تتقلص، ولكن قد يكبر حجم أعمالهم عموما.  وسوف يصبح العاملون في مركز القيادة -ولو جزئيا على الأقل. يحتمل ان يبدأو العاملون صباحا بالتحقق من الوحة الرئيسية (dashboard) المقدمة من نقابة بيانات العمل الخاصة بهم وتظهر قائمة مخصصة للوظائف المتاحة: من مشاهدة اعلانات (حيث تقوم كاميرا الكمبيوتر بتجميع تعابير الوجه) الى ترجمة نص الى لغة نادرة والى اكتشاف مبنى افتراضي  لرؤية مدى سهولة التنقل. وقد تظهر اللوحة الرئيسية قائمة الإيرادات السابقة وتستعرض التقييمات وتقوم باقتراح مهارات جديدة.

ولكن البيانات الشخصية تحتاج ان يحدث الكثير حتى يتم تصنيفها كعمل ويدفع مقابلها. أولا: سوف يلزم إطار قانوني صحيح لتحفيز ظهور اقتصاد بيانات جديد. النظام الأوروبي الجديد لحماية البيانات العامة (GDPR) يعطي الناس بالفعل حقوق واسعة للتحقق وتنزيل وحتى حذف البيانات الشخصية التي تحتفظ بها الشركات. ثانيا: لمتابعة تدفق البيانات، فإن التكنولوجيا تحتاج ان تصبح ذات قدرة اكبر بكثير. ان البحوث التي تعمل على حساب قيمة بيانات معينة بالنسبة لخدمات الذكاء الاصطناعي لا تزال في المهد.

ثالثا: والاكثر اهمية ان على الناس العمل على تطوير « الوعي الطبقي« بوصفهم عاملين في مجال البيانات. يقول معظم الناس انهم يريدون ان تكون معلوماتهم الشخصية محمية، ولكنهم يعملون على المتاجرة بها مقابل لا شيء تقريبا، الأمر الذي يعرف بـ «مفارقة الخصوصية». ومع ذلك طرأ تغيير على بعض الأمور: وفقا لمركز أبحاث بيو، إحدى مراكز الفكر (think-tank)، فإن اكثر من 90% من الأمريكيين يعتقدون انه من المهم القدرة على التحكم بمن يمكنه الحصول على بياناتهم.

ويرى المشككون انه حتى لو دفع للناس مقابل بياناتهم، فإنهم لن يجنوا الكثير.  لو قام فيسبوك بتقسيم أرباحه على جميع المستخدمين شهريا كأن يحصل كل مستخدم على 9 دولارات في العام على سبيل المثال. ولكن هكذا حسابات تفشل في إدراك ان عصر البيانات قد بدأ للتو.  غالبا ما يتم تشبيه الذكاء الاصطناعي بالكهرباء. عندما بدأت الكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر فإن مدنا كاملة كانت تستخدم مقدارا من الطاقة يعادل ما يستخدمه بيت واحد اليوم.

ألن يكون اقتصاد البيانات هذا على درجة كبيرة من عدم التكافؤ؟ حيث ان بيانات بعض الاشخاص بالتأكيد سوف تبلغ قيمتها اكثر من الأخرين. ويرى السيد ويل ان المهارات الضرورية لانتاج بيانات ذات قيمة قد تنتشر اوسع مما نتخيل، اذا فإن عمل البيانات من الممكن ان يُخل بمعايير التسلسل الهرمي لرأس المال البشري. سوف يُتحتم على المجتمعات ان تجد طريقة لتوزيع الثروة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى. بطبيعة الحال فإن معظم ذلك يُستحَق على تقطير البيانات الضخمة. ويحذر السيد ويل ان عدم المساواة الاجتماعية يمكن ان يعود الى مستويات العصور الوسطى ما لم يتغير ذلك. إذا حدث ذلك، من المتوقع أن العاملون في البيانات في العالم سوف يتحدوا.

نُشر هذا المقال في ذا وورد إف في النسخة المطبوعة تحت عنوان « أيها العاملون في البيانات حول العالم إتحدوا»

قراءة 857 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 14 آب/أغسطس 2018 18:51
منتدى أسبار الدولي. جميع الحقوق محفوظة ©2019.